جعفر العلوجي يكتب : التواضع .. رفعة النفوس لا مذلتها

 

يروي المفكر العراقي الدكتور علي الوردي حادثة بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، حين كان يصبغ حذاءه على رصيف في نيويورك، ولاحظ الصباغ يتحدث بود واحترام مع رجل عليه سيماء الوقار ، وبعد أن غادر الرجل، سأله الوردي عنه، فإذا به مدير مستشفى كبير في المدينة اندهش الوردي من بساطة ذلك المدير الذي يقف على الرصيف يتحدث إلى صباغ، بلا حواجز ولا تعال، في مجتمع يؤمن بأن قيمة الإنسان ليست بما يملك من منصب، بل بما يحمل من أخلاق .
يقول الوردي إن الموقف ذكره بما يروى عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي كان رغم كونه خليفة للمسلمين، يجلس في دكان بقاله وصديقه ميثم التمار، بل ويبيع التمر مكانه إن غاب ، أي تواضع هذا ؟ وأي عظمة تفيض من تلك النفس التي لم تغيرها السلطة ولم تفسدها المكانة ؟
لقد كان الإمام علي يرى أن الانسان بقلبه لا بعرشه، وأن التكبر لا يزيد الإنسان شرفا بل يكشف عن ضعف دفين في أعماقه ، ولذلك قال الإمام الصادق (ع) “ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه”، فالمتعالي في الغالب انسان مهزوم داخليا، يحاول أن يعوض نقصه بإظهار القوة والتعالي على الناس .
إن الفرق بين المدير الأمريكي الذي تحدث إليه الوردي، وبين كثير من أصحاب المناصب في مجتمعاتنا، ليس في التعليم ولا في النظام فحسب، بل في القيم التي تحكم نظرة الإنسان لنفسه وللآخرين ، فحين نؤمن أن الكرامة الانسانية فوق كل الألقاب ، وأن الاحترام يكتسب بالفعل لا بالموقع، سنجد مجتمعاً يسوده الود والاحترام الحقيقي، لا الخضوع المصطنع ولا الغرور الفارغ .
لقد أراد الوردي من قصته أن يبعث برسالة خالدة
أن العظمة لا تحتاج إلى مظاهر ، بل إلى إنسان يعرف قدر نفسه وقدر الآخرين .
فالمتواضع لا ينحني إلا ليزرع شيئاً في الأرض ، بينما المتكبر يرفع رأسه لينظر إلى فراغ لا يراه غيره .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى