
على خليل : الاعتراف الدولي بفلسطين: بين المكاسب الرمزية والاصطفافات السياسية
غياب القاهرة اعتُبر قرارًا سياديًا ورسالة واضحة بأن مصر لم ولن تكون جزءًا من سيناريوهات تُهدد أمنها القومي.
ملف فلسطين دخل مرحلة مختلفة تمامًا: لأول مرة تتخذ دول غربية كبرى موقفًا عمليًا بالاعتراف، ما يرفع سقف التوقعات الدولية.
على الأرض، لا تزال إسرائيل متمسكة بالرفض
وأمريكا بالفيتو، والفلسطينيون بين الانقسام والحصار.
والصدمة الكبرى: أن الدولة الفلسطينية باتت موجودة على الورق والخرائط الدبلوماسية —————
الدولة لا تزال غائبة عن الجغرافيا الميدانية حيث يُرسم مصيرها بالدم والنار.
-
موقف مصر (غياب السيسي):

-
لفت غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن بعض لقاءات ترامب الأنظار. تقارير أوضحت أن القاهرة امتنعت عن الحضور احتجاجًا على مقترحات أمريكية تتعلق بمستقبل غزة ورفضًا لأي خطط لتهجير سكان القطاع نحو سيناء. الغياب اعتُبر قرارًا سياديًا ورسالة واضحة بأن مصر لن تكون جزءًا من سيناريوهات تُهدد أمنها القومي.
غياب السيسي .. بعد مستقل لا يمكن تجاهله
لم يمرّ غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مرور الكرام، بل تحوّل إلى بُعد مستقل في قراءة المشهد الدبلوماسي. فمصر، التي تُعد تاريخيًا من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية، كان من المتوقع أن تُشارك بأعلى مستوى رئاسي في ظل التحولات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، خاصة مع موجة الاعترافات الدولية المتلاحقة بدولة فلسطين.
مصادر دبلوماسية أرجعت هذا الغياب إلى حسابات داخلية ضاغطة، تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والملفات السياسية المحلية، وهو ما يفرض على القيادة المصرية التركيز على الداخل أكثر من الانخراط المباشر في المنابر الدولية. غير أن محللين آخرين يرون أن القرار اتخذ عن قصد لتجنّب مواجهة علنية مع مواقف بعض القوى الغربية، لا سيما في ظل حساسية اللحظة الراهنة التي تشهد انقسامًا واضحًا في مجلس الأمن والجمعية العامة حول الحرب على غزة.
اللافت أن هذا الغياب لم يُضعف الحضور المصري تمامًا، إذ شارك رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي ألقى كلمة مصر أمام الجمعية العامة ممثلًا للرئيس، وألقى كلمة باسم مصر شدّد فيها على ثوابت القاهرة التقليدية تجاه فلسطين ورفض السياسات الإسرائيلية. ومع ذلك، ظلّ غياب السيسي نفسه حاضرًا في الكواليس، حيث أشار دبلوماسيون إلى أن الأطراف الدولية كانت تترقب ظهور الرئيس المصري شخصيًا لإرسال رسالة سياسية أثقل وزنًا.
في النهاية، يمكن القول إن غياب السيسي لم يكن مجرد تفصيلة بروتوكولية، بل تحوّل إلى “حدث صامت” يوازي في دلالاته حجم الحضور نفسه، وترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات متباينة: هل هو انعكاس لأولويات الداخل؟ أم جزء من سياسة مدروسة لتفادي الاشتباك مع الحلفاء في العلن؟
الاعتراف الدولي بفلسطين: بين المكاسب الرمزية والاصطفافات السياسية
منذ إعلان منظمة التحرير الفلسطينية “وثيقة الاستقلال” في الجزائر يوم 15 نوفمبر 1988، توالت اعترافات عشرات الدول بالدولة الفلسطينية، وكانت مصر في مقدمة الداعمين. حتى سبتمبر 2025 وصل عدد الدول التي أعلنت اعترافها إلى ما يقارب 159 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة.
الجديد والمفصلي أن دولاً غربية كبرى مثل المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، فرنسا، بلجيكا، البرتغال، لوكسمبورغ، أندورا، مالطا، موناكو، سان مارينو أعلنت اعترافها في خطابات مباشرة من على منبر الأمم المتحدة. هذه الخطوات كسرت الحاجز الغربي التقليدي الرافض للاعتراف الرسمي بفلسطين.
2) كلمات الوفود في الأمم المتحدة
-
فرنسا (إيمانويل ماكرون): أعلن الاعتراف الرسمي، وشدد على ضرورة استعادة أفق حل الدولتين، ودعا إلى قوة دولية للفصل وتهيئة الأرضية لسلطة فلسطينية معاد هيكلتها.
-
بريطانيا (كيير ستارمر): وصف الاعتراف بأنه خطوة تاريخية بعد عقود من التردد البريطاني، لكنه ربطه بإنهاء العنف وبدء عملية سياسية حقيقية.
-
السلطة الفلسطينية (محمود عباس/وفده): عبّر عن شكر واعتبر الاعتراف تعزيزًا للشرعية الفلسطينية، وطالب بوقف فوري للعمليات العسكرية وبدور دولي لإنهاء الاحتلال.
-
الولايات المتحدة (ترامب): رفض الاعترافات واعتبرها “مكافأة للإرهاب”، في حين عرض مقترحًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، مع عقد اجتماعات جانبية مع عدد من القادة العرب والمسلمين.
-
إسرائيل (نتنياهو وحكومته): رفض قاطع وتهديد بإجراءات مضادة، مع تأكيد أن الاعترافات تقوّض السلام وتمنح غطاءً سياسيًا لحركة حماس.
3) المحصلة العملية
الاعترافات الجديدة منحت فلسطين مكسبًا دبلوماسيًا كبيرًا ورسّخت مطلب الدولة كأمر واقع على المستوى الدولي. لكن عمليًا، لم يتغير شيء في الميدان: الاحتلال قائم، والانقسام الفلسطيني الداخلي مستمر، وغزة تحت ويلات الحرب. سيظل الأمر مكسبًا رمزيًا وقانونيًا ما لم يتحول إلى مسار سياسي إلزامي عبر مجلس الأمن، حيث ما زال الفيتو الأمريكي العائق الأكبر.
4) ىردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية
لم يمرّ الاعتراف المتزايد بفلسطين في أروقة الأمم المتحدة دون ردود غاضبة من الجانب الإسرائيلي وارتباك محسوب في الموقف الأمريكي. فإسرائيل اعتبرت ما جرى “تطورًا خطيرًا يمسّ شرعيتها الدولية”، وشنّ مسؤولون في حكومتها حملة تصريحات وصفت قرارات الدول والهيئات الأممية بأنها “انحياز سافر” يهدد ما يسمونه أمنها القومي. كما صعّدت تل أبيب تحركاتها الدبلوماسية للضغط على حلفائها التقليديين في أوروبا وأمريكا اللاتينية لتأجيل أو تجميد أي خطوات مشابهة.
أما في الولايات المتحدة، فقد بدا الموقف أكثر تعقيدًا. فالإدارة الأمريكية اكتفت بالتشديد على “حل الدولتين عبر المفاوضات المباشرة” ورفضت الانضمام إلى موجة الاعترافات الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تجنبت الدخول في مواجهة علنية مع حلفاءها الأوروبيين الذين تبنوا الموقف الفلسطيني. هذا التباين كشف عن مأزق واشنطن الحقيقي: فهي من جهة حريصة على حماية إسرائيل سياسيًا، ومن جهة أخرى مضطرة إلى التماهي مع المزاج الدولي الذي يميل بشكل متسارع لصالح الاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة.
وبينما أظهرت تل أبيب انفعالًا صاخبًا، اختارت واشنطن لغة أكثر حذرًا، في محاولة للموازنة بين التزاماتها التاريخية تجاه إسرائيل وضغوط الرأي العام الدولي الذي بات أكثر جرأة في انتقاد الاحتلال.
وما بين المكاسب الرمزية والاصطفافات الجديدة، يدخل ملف فلسطين مرحلة مختلفة تمامًا: لأول مرة تتخذ دول غربية كبرى موقفًا عمليًا بالاعتراف، ما يرفع سقف التوقعات الدولية. لكن على الأرض، لا تزال إسرائيل متمسكة بالرفض، وأمريكا بالفيتو، والفلسطينيون بين الانقسام والحصار. والصدمة الكبرى: أن الدولة الفلسطينية باتت موجودة على الورق والخرائط الدبلوماسية، لكن لا تزال غائبة عن الجغرافيا الميدانية حيث يُرسم مصيرها بالدم والنار.