د. ليون سيوفي : من يظن أنّ إيران ستخسر الحرب… فهو يعيش في وهمٍ لا يوصف
في زمنٍ تتكثّف فيه الضّربات، وتسود فيه الدّعاية النّفسيّة والإعلاميّة، يقف البعض واثقاً بأنّ إيران على وشك الانهيار، وأنّ سقوط النّظام بات مسألة وقت. لكن هذا الطّرح، مهما بدت مبرّراته منطقيّة للبعض، لا يعكس عمق الواقع الإيراني ولا تعقيدات المعادلة الإقليميّة.
إيران ليست دولةً هشّةً… بل منظومةً متماسكةً ، رغم ما تعرّضت له من قصفٍ، وعقوباتٍ، وحصارٍ، واغتيالاتٍ ومحاولاتٍ انقلابيّةٍ فاشلةٍ، إلّا أنّها استطاعت على مدى أربعة عقودٍ أن تحافظ على وحدة كيانها السّياسيّ، وأن تطوّر بنيةً تحتيّةً نوويّةً وصاروخيّةً متقدّمةً، وأن تبني شبكةً إقليميّةً من الحلفاء في لبنان وسوريا والعراق واليمن وافغانستان وباكستان والصّين وروسيا وكوريا الشّمالية وتركيّا وأزربيجان والكثير من الدّول، بل وحتّى داخل فلسطين.
ألحديث عن “سقوط إيران” ليس جديداً، لكنّه تكرّر وفشل مراراً، حتّى عندما تمّ استهداف منشآتها النّوويّة أو مراكزها الحسّاسة بـ”أمّ القنابل” أو عبر هجماتٍ سيبرانيّةٍ، بقيت طهران محافظةً على قدرتها على الرّدّ، والتّموضع، والمناورة.
ألفرق بين الفُرس والمرتزقة الإسرائيليّين … هو الانتماء،
من يراقب سلوك الشّعب الإيراني في ظلّ القصف والضّغوط يرى أمراً واضحاً، تمسُّك الإيرانيّين بوطنهم لا يُقارَن. رغم الانتقادات الدّاخلية، والضّغوط الاقتصاديّة، لم نشهد حالة هروبٍ جماعيٍّ من البلاد، ولا حالات انهيارٍ في بنية الدّولة.
في المقابل، رأينا كيف سارعت إسرائيل إلى منع مواطنيها من السّفر خوفاً من ضربةٍ مفاجئةٍ، بل وكيف اتّجه الآلاف للهروب إلى قبرص عبر البحر وأوروبا وأمريكا، خشية اشتداد الحرب.
ألفرق هنا ليس في حجم الضّربة، بل في عمق الانتماء.
ألإيرانيون أبناء حضارةٍ تمتدّ لآلاف السّنين، متجذّرون في أرضهم، بينما الكيان الاسرائيليّ مبنيٌّ على مشروعٍ استيطانيٍّ هشٍّ لا يصمد أمام زلزالٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ.
إيران لا تقاتل وحدها… بل تُمثّل مشروعاً إقليميّاً.
سواء اختلفنا أو اتّفقنا مع سياسات إيران، لا يمكن إنكار أنّها اليوم تُمثّل مركز ثقلٍ لمحورٍ واسعٍ يمتدّ من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وصنعاء. هذا المحور لا يقوم على الجيوش النّظامية فحسب، بل على قناعةٍ عقائديّةٍ واستراتيجيّةٍ بين مجموعاتٍ وشعوب.
في حين تعتمد إسرائيل على دعمٍ خارجيٍّ وخاصّةً أميركيٍّ، فإنّ إيران تعتمد على شبكةٍ محلّيّةٍ إقليميّةٍ صنعتها عبر عقودٍ من التّحالفات والصّراعات.
ألدّمار لا يُسقِط الدّول… إنّما يُسقطها الانفصال بين الحاكم والمحكوم.
لعلّ أبرز أسباب صمود إيران هو أنّها، رغم القبضة الأمنيّة، لم تنقطع تماماً عن شعبها. استطاعت أن تُبقي على شعورٍ بالكرامة الوطنيّة، وبأنّ أيّ مواجهةٍ مع الخارج هي معركة وجودٍ لا مجرّد أزمةٍ عابرة.
في المقابل، أنظمةٌ كثيرةٌ انهارت دون أن تُقصف، فقط لأنّها فقدت شرعيّتها وشعبيّتها.
ليس المطلوب أن نكون مع إيران أو ضدّها، بل أن نفهم الواقع بعمقٍ.
من يظنّ أنّ إيران ستنهار لمجرّد قصف مفاعلٍ أو قاعدةٍ، فهو يتجاهل معطيات الجغرافيا، والتّاريخ، والنّفس البشريّة.
إيران اليوم دولةٌ مركزيّةٌ في الشّرق الأوسط، وقدرتها على امتصاص الضّربات هي جزءٌ من استراتيجية بقاءٍ تستحقّ أن تُقرأ بتمعّن، لا أن تُقلَّل أو تُختصَر ضمن أماني سياسيّةٍ ضيّقةٍ…
تذكروا جيداً ما اقولهُ لكم!!! إيران لن تسقط، لأنها دولةٌ صلبة، وتعرفُ كيفَ تصوغُ الردّ، وتعيد ترتيب أوراقها، وتفرضُ على الآخرين أن يعيدوا النظرَ في مواقفهِم. فإيران قوة عظمى، ومكانتها كبيرة.