من معرضٍ إلى معرض، ومن حفلةٍ إلى حفلة… والشعب ينام جائعًا!

بقلم : د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
يبدو أنّ بعض السياسيين في لبنان يعيشون وكأنّ شيئًا لن يحدث في الوطن، وكأنّ العواصف التي تضرب المنطقة لن تصل إلى أبوابنا، فيما يتنقّلون من معرضٍ إلى معرض، ومن تجمّعٍ إلى تجمّع، ومن حفلةٍ إلى حفلة، ومن غداءٍ إلى عشاء، ومن سفرةٍ إلى سفرة، وكأنّ لبنان يعيش في بحبوحةٍ وازدهار!
لكن، هل يعلم هؤلاء ماذا يحدث خلف أبواب البيوت اللبنانية؟
هل يعلمون أنّ عائلاتٍ كثيرة تنام من دون طعام، وأنّ هناك مرضى يعجزون عن تحمّل تكاليف العلاج، فيتأخّرون عن المستشفيات أو يُحرمون من الرعاية التي يحتاجون إليها بسبب فقرهم؟ وهل يعلمون كم من طفلٍ وشابٍّ وصبيّة تركوا المدارس والجامعات، لا لأنّهم لا يريدون التعلّم، بل لأنّ أهلهم لم يعودوا قادرين على دفع الأقساط والنفقات؟
كم طالبًا خسر مستقبله لأنّ عائلته فقيرة؟ وكم مريضًا أصبح المال عائقًا بينه وبين العلاج؟ وكم عائلةٍ باتت عاجزةً عن تأمين أبسط مقوّمات الحياة؟
أمّا الجنوب، فحكايته جرحٌ آخر مفتوح. قرى ومدن مدمّرة، وبيوتٌ تحوّلت إلى ركام، وعائلاتٌ فقدت أبناءها وأرزاقها، وناسٌ ينتظرون العودة والإعمار، فيما بعض المسؤولين يواصلون حضور المناسبات والتقاط الصور وكأنّ المأساة لا تعنيهم.
وهل يعلمون أنّ الذين استشهدوا هم أبناء هذا الوطن، وليسوا مجرّد أرقامٍ في الأخبار؟ وأنّ خلف كلّ شهيدٍ عائلةً مكلومة، وخلف كلّ بيتٍ مدمّر حياةً اقتُلعت من جذورها؟
أيُّ دولةٍ هذه التي يجد فيها المواطن صعوبةً في تأمين رغيف الخبز، ويخشى فيها المريض كلفة العلاج، ويُحرَم فيها الطالب من جامعته، فيما تستمرّ الحياة السياسية وكأنّ شيئًا لا يستدعي الاستنفار؟
أين خطط الإنقاذ الاجتماعي؟ أين حماية الفقراء؟ أين ضمان العلاج والتعليم؟ وأين برامج إعادة إعمار الجنوب وتعويض المتضرّرين؟ وأين المحاسبة عن سنوات الانهيار التي دفعت ثمنها العائلات اللبنانية من جنى أعمارها ومستقبل أبنائها؟
لسنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الخطابات والصور والوعود، بل إلى سياساتٍ تحمي كرامة المواطن، وتضمن حقّه في الغذاء والطبابة والتعليم والسكن. فهذه ليست امتيازاتٍ تمنحها السلطة لمن تشاء، بل حقوقٌ أساسية لا يجوز أن تتحوّل إلى أحلامٍ بعيدة المنال.
أيّها المسؤولون، قبل أن تتوجّهوا إلى معرضٍ أو حفلة، اسألوا أنفسكم: كم عائلةً لبنانيةً لا تملك ثمن وجبة طعام؟ وكم مريضًا ينتظر العلاج ولا يملك ثمنه؟ وكم شابًّا وصبيّةً أُغلقت أبواب المستقبل في وجوههم بسبب الفقر؟
إنّ مسؤولية الدولة ليست أن تحضر كلّ مناسبة، بل أن تكون حاضرةً عندما يجوع مواطن، ويمرض إنسان، ويُحرَم طفلٌ من التعليم، وتُدمَّر قريةٌ ويُهجَّر أهلها.
الوطن ليس موائد عامرةً للمسؤولين وموائد فارغةً للفقراء. وليس صورًا في المعارض والحفلات، فيما المرضى يتألّمون، والطلاب يتركون مقاعدهم، وأهل الجنوب ينتظرون إعادة بناء بيوتهم.
لبنان لا يحتاج إلى سلطةٍ تُتقن الاحتفال، بل إلى دولةٍ تُتقن حماية الإنسان.
فهل يشعر المسؤولون بوجع شعبهم، أم أنّهم لم يعودوا يرون من لبنان سوى المناسبات والمناصب والمصالح؟
حين يصبح الجوع قدرًا للفقراء، والعلاج امتيازًا للأغنياء، والتعليم عبئًا على العائلات، والإعمار وعدًا مؤجّلًا، لا يعود السؤال أين الدولة فحسب، بل لمن تعمل هذه الدولة، وما الذي بقي من مسؤوليتها تجاه شعبها؟
«إذا لم تستحِ، فافعل ما شئت!»
ثم تضيف إليه هذه العبارة:
إلى أهل السلطة: قبل أن تتوجّهوا إلى معرضٍ أو حفلة، وقبل أن تجلسوا إلى موائد الغداء والعشاء، انظروا إلى طفلٍ ينام جائعًا، ومريضٍ ينتظر العلاج، وطالبٍ حُرم من جامعته، وعائلةٍ فقدت بيتها في الجنوب. فإن لم يحرّك كلّ هذا ضمائركم، ولم يُشعركم بالخجل، فبأيّ وجهٍ تطلبون من هذا الشعب أن يحترمكم ويثق بكم؟
فالخجل لا يحتاج إلى خطابات، بل إلى ضميرٍ حيّ… ومن لا يخجل من وجع شعبه، لا تنفع معه كثرة الكلام!!!