مفيش فايدة يا صفية

بقلم : د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
«مفيش فايدة يا صفية»… عبارةٌ تُنسب إلى الزعيم المصري سعد زغلول، وتحولت مع الزمن إلى تعبيرٍ شعبيّ عن بلوغ اليأس مداه.
واليوم، لو أراد اللبناني أن يطلقها، فلن يقولها بسبب مرضٍ أو عجزٍ شخصي، بل ربما يوجّهها إلى سياسيين أثبتوا، عامًا بعد عام، أن قدرتهم على الكلام أكبر بكثير من قدرتهم على إنقاذ بلد.
مفيش فايدة… من سياسيٍّ يَعِد قبل الانتخابات وينسى وعوده بعد وصوله إلى الكرسي.
مفيش فايدة… من مسؤولٍ يُحمّل الآخرين مسؤولية كل كارثة، وكأنّه لم يكن يومًا جزءًا من السلطة.
مفيش فايدة… من خطاباتٍ رنّانة لا تُنتج كهرباء، ولا تُنهض اقتصادًا، ولا تحمي مواطنًا.
لقد أُنهك اللبناني من سماع كلمة «سنعمل»، وسئم عبارة «المرحلة المقبلة»، وملّ الوعود بالإصلاح، ومواعيد الإنقاذ المؤجّلة، والبيانات التي تُكتب بعناية ثم تُرمى في الأدراج.
أيها السياسيون، الناس لم تعد تريد أن تسمع ماذا ستفعلون، بل تريد أن تعرف ماذا فعلتم!
من المسؤول عن سنوات الهدر؟
من المسؤول عن انهيار المؤسسات؟
من المسؤول عن تعطيل الإصلاحات؟
ومن يملك الجرأة ليقف أمام الناس ويقول بوضوح هذا ما أخطأت فيه، وهذه مسؤوليتي، وهذا الثمن السياسي الذي أتحمّله؟
بدلًا من الإجابة، نرى اللعبة القديمة تتكرّر بتبادل الاتهامات، وتوزيع المسؤوليات، واختراع الخصوم، واستدعاء الانقسامات الطائفية والسياسية كلما عجزت السلطة عن تقديم الإنجازات.
وكأنّ المواطن لا يرى، وكأنّ ذاكرته قصيرة، وكأنّ السنوات التي عاشها تحت وطأة الأزمات يمكن محوها بخطاب جديد، وشعار جديد، وصورة جديدة أمام الكاميرات!
كفى استهتارًا بعقول الناس!
الدولة ليست منصّة للخطابة، والوزارة ليست مكافأة حزبية، والنيابة ليست حصانة من المساءلة، والسياسة ليست وظيفة دائمة يتوارثها أصحاب النفوذ.
من يدخل إلى السلطة عليه أن يفهم قاعدة بسيطة: الكرسي ليس ملكًا له، بل أمانة مؤقتة لدى الناس، وصاحب الأمانة مسؤول عن نتائجها.
وإذا كان بعض السياسيين قد اعتادوا أن يطلبوا من المواطن الصبر، فليسألوا أنفسهم: إلى متى يصبر المواطن؟ ومن يحاسِب من أفقده الأمل، وأضعف دولته، وتركه يواجه أعباء المعيشة وحده؟
لا نريد المزيد من السياسيين الذين يجيدون تفسير الفشل؛ نريد مسؤولين ينجحون في منع الفشل.
لا نريد من يشرح لنا لماذا لا يستطيع؛ نريد من يحدّد ما يستطيع فعله، ثم ينفّذه ويُحاسَب على نتائجه.
ولا نريد دولة تُدار بمنطق «ماذا يخدم الزعيم؟»، بل دولة تسأل أولًا: ماذا يحتاج المواطن، وما الذي يحفظ كرامته وحقوقه؟
إنّ عبارة «مفيش فايدة» ليست قدرًا محتومًا على لبنان، لكنها تصبح واقعًا خطيرًا عندما يتحوّل الفشل إلى ممارسة عادية، والعجز إلى عذر دائم، والمحاسبة إلى تهمة، والمواطن إلى مجرّد رقم انتخابي يُستَخدم عند الحاجة ثم يُهمَل حتى موعد الانتخابات التالية.
أيها السياسيون، لا تطلبوا من الناس أن تثق بكم مجددًا عبر الكلام. أعيدوا بناء الثقة بالفعل، وبالإنجاز، وبالمحاسبة، وباحترام الدستور والقانون.
فالمواطن لم يعد يريد سماع الوعود. يريد دولةً تحميه، وقانونًا يُطبَّق على الجميع، ومؤسساتٍ تعمل، ومحاسبةً لا تستثني صاحب نفوذ.
ويريد، قبل كل شيء، أن يعرف من المسؤول عن كل هذا الخراب، ولماذا لا يزال المسؤولون عنه يتصرّفون وكأنّ شيئًا لم يحدث.
وعندما لا يجد المواطن جوابًا، يصبح من حقّه أن يطرح السؤال الأكثر إيلامًا «مفيش فايدة يا صفية»… أم أنّ المشكلة ليست في لبنان، بل في الذين يمسكون بمفاتيح الدولة ويرفضون تغيير قواعد اللعبة؟

أيُّها السياسيّون الراكضون خلف التطوّر… هل سيُنقذ الذكاء الاصطناعي لبنان منكم؟
أيُّها السياسيّون الراكضون خلف التطوّر، والمتسابقون على التقاط الصور والحديث عن الذكاء الاصطناعي (AI)، قبل أن تتباهوا بأنّكم تواكبون العصر، أجيبوا اللبنانيّين عن سؤالٍ واحد: ماذا سيفعل هذا التطوّر بحياتهم، إذا كانت الدولة عاجزةً عن تأمين أبسط حقوقهم؟
هل سيُطعِم الذكاء الاصطناعي الجائع في لبنان؟ هل سيُضيء منازل المواطنين ويؤمّن الكهرباء؟ هل سيُعيد أموال المودعين التي ضاعت أعمارهم وهم ينتظرون استردادها؟ هل سيمنع الشباب من الهجرة بحثًا عن مستقبلٍ أفضل؟
هل سيُعيد إعمار الجنوب والقرى التي دمّرتها الحرب؟ هل سيُجبر إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية؟ هل سيوقف الاعتداءات ويحمي الحدود، ويضمن ألّا يبقى اللبنانيّون رهائن الحروب والصراعات؟
هل سيمنع الفساد في السلطة، ويُحاسب المرتكبين، ويُنهي الإفلات من العقاب؟ هل سيؤمّن فرص العمل، ويُعيد القدرة الشرائيّة إلى الرواتب، ويضمن الدواء والاستشفاء والتعليم لكلّ لبناني؟
وهل سيمنع الذكاء الاصطناعي الضرائب التي فرضتموها على هذا الشعب المُنهَك؟ هل سيُخفّف عن اللبنانيّين أعباء قراراتكم الماليّة، أم سيبقى المواطن يدفع ثمن إخفاقات السياسات العامّة من لقمة عيشه، فيما أنتم تتحدّثون عن التطوّر والحداثة؟
هل سيوقف مسلسل الرسوم والضرائب المتزايدة؟ هل سيُعيد القدرة إلى المواطن على العيش بكرامة، بعدما بات يحسب حساب كلّ فاتورة وكلّ نفقة؟ وهل سيُحاسب المسؤولين عن الهدر وسوء الإدارة بدلًا من تحميل الناس كلفة الأزمات؟
وهل سيمنع الذكاء الاصطناعي سوء ادارة بعض السياسيّين؟ هل سيُصحّح قراراتهم المرتجلة، ويُوقف تصريحاتهم المتناقضة، ويُنبّههم عندما يبتعدون عن المنطق ومصلحة الوطن؟ أم أنّنا سنحتاج إلى ذكاءٍ اصطناعيّ يراقب قراراتهم، ويسألهم في كلّ مرّة: هل فكّرتم بمصلحة الشعب قبل أن تتّخذوا هذا القرار؟
وهل سيُعلّمهم أنّ السياسة مسؤوليّةٌ وخدمةٌ للمواطن، وليست استعراضًا ومزايداتٍ وسباقًا على المناصب والمكاسب؟ وهل سيُذكّرهم بأنّ كرامة المواطن أهمّ من الصورة الإعلاميّة، وأنّ نتائج القرارات أهمّ من المؤتمرات والخطابات؟
أيّها السياسيّون، تخيّلوا أن نصل إلى زمنٍ نحتاج فيه إلى الذكاء الاصطناعي كي نُذكّر المسؤول بما يجب أن يعرفه أصلًا: أنّ الدولة وُجدت لخدمة الناس، لا لإرهاقهم، وأنّ المنصب العام تكليفٌ لا امتياز، وأنّ المحاسبة ليست تهديدًا للسلطة، بل شرطٌ لبناء دولةٍ سليمة.
لكن لنتّفق على أمرٍ أساسيّ: الذكاء الاصطناعي ليس عصًا سحريّة، ولا بديلًا عن الدولة، ولا عن القرار السياسي، ولا عن المسؤوليّة الوطنيّة. إنّه أداةٌ يمكن أن تُساعد في تطوير الإدارة، وكشف الهدر، وتحسين الخدمات، وتسهيل المعاملات، شرط أن تتوافر الإرادة السياسيّة والشفافيّة والمحاسبة.
المشكلة ليست في دخول التكنولوجيا إلى لبنان؛ المشكلة أن تدخل التكنولوجيا إلى المؤسّسات، فيما تبقى العقليّات الإداريّة والسياسيّة أسيرة الماضي، وتبقى مصالح المواطنين مؤجّلةً إلى أجلٍ غير معلوم.
نحن لا نرفض التطوّر، بل نرفض أن يتحوّل إلى عنوانٍ جديدٍ للتسويق السياسي، فيما المواطن يبحث عن لقمة عيشه، والمودع ينتظر ماله، والشاب يحزم حقائبه، والجنوبي ينتظر إعادة بناء منزله، والأب والأم يحسبان كلفة الطبابة والتعليم والكهرباء والضرائب.
قبل أن تحدّثونا عن الذكاء الاصطناعي، حدّثونا عن ذكاء القرار السياسي. وقبل أن تستعرضوا أحدث التقنيّات، أرونا كيف ستستخدمونها لخدمة الناس، لا لتلميع صورتكم.
لبنان لا تنقصه التكنولوجيا وحدها؛ بل يحتاج إلى دولةٍ تحترم مواطنيها، وقضاءٍ مستقلّ، وإدارةٍ شفّافة، واقتصادٍ منتج، وسلطةٍ تُحاسَب على نتائج قراراتها.
فلا تجعلوا الذكاء الاصطناعي ستارًا يُخفي إخفاقات السياسات، ولا تبيعوا اللبنانيّين مستقبلًا رقميًّا فيما حاضرهم مثقلٌ بالأزمات. ولا تطلبوا من شعبٍ أنهكته الضرائب أن يصفّق لإنجازاتٍ إلكترونيّة قبل أن يلمس تحسّنًا حقيقيًّا في حياته.
أيّها السياسيّون، قبل أن تُدخلوا الذكاء الاصطناعي إلى مؤسّسات الدولة، أدخلوا العدالة إلى قراراتكم، والمحاسبة إلى إداراتكم، والشفافيّة إلى حساباتكم.
فلبنان لا يحتاج إلى سلطةٍ تتباهى بالتكنولوجيا، بل إلى دولةٍ تُطعم جائعها، وتُضيء منزله، وتعمل على استعادة حقوق مودعيه، وتحمي أبناءه من الهجرة القسريّة، وتُعيد إعمار الجنوب، وتُخفّف الأعباء عن مواطنيها بدلًا من استنزافهم.
فالذكاء الاصطناعي قد يُطوّر الدولة، لكنّه لا يستطيع أن يعوّض غياب الإرادة السياسيّة، ولا أن يصنع الحكمة لمن يرفض التعلّم، ولا أن يُصلح نظامًا لا يريد أصحابه إصلاحه.
والسؤال الذي أتركه برسم كلّ مسؤول:
هل ستستخدمون الذكاء الاصطناعي لتطوير لبنان، أم سيبقى اللبنانيّون بحاجةٍ إلى ذكاءٍ اصطناعيّ كي يفهموا قراراتكم؟