الادب والثقافة

دراسة بعنوان تفاحة طروادة حول ديوان ” أعراس الماء” للتونسية أم الزين بن شيخة

ها أنا ذا مُتشبثٌ بدفء الماءِ في زحمة الفيافي أقرأُ “أعراس الماءِ” لأم الزين بن شيخة، وما بين العرس والعرس ثمة عطشى يلهثون خلف مواكب الحناء.
هنا لنتمعن في الأثر الذي قد ينبثق من نصوص ديوان “أعراس الماء”
هنا ثمة أسئلة تُطرح:
هل استطاعت الشاعرة الخروج من النمط الشعري الحديث الذي تأسس في بيروت على يد جماعة “مجلة الشعر” في خمسينيات القرن المنصرم:
السياب.. أدونيس.. أنسي الحاج…
وهل في ثنايا النصوص ما يمنحنا بعضَ الفضاءات التي من شأنها تنظيم العلاقة بين المرء ونفسه وبينه وبين الغيب؟
وهل فتحتْ ندى النصوص شرفات جديدة في ذواتنا، أم سارت في ذات المنحى الذي سلكه الشعراء العرب على مدار أكثر من نصف قرن من الزمن؟
هنا سنحاول تسليط الضوء على مكامن اللذة في الديوان من خلال الغوص في عنوان الديوان وقراءة أحد
لو آثرنا رصد رواسب الروائح التي تنبع من نصوص الديوان قد نصل إلى محصلة فحواها: لا موطئ قدمٍ لقبح العالم في حضرة أعراس الماء المتعوبة عليها والمنبثقة من شجرة معرفية مُدركة بعمق ضارب لأهمية توظيف الجمال في مواجهة نظام التفاهة الذي يقود العالم وفقاً للفيلسوف الكندي المعاصر” آلان دونو”
ثمة تحقيقات كثيفة في جوهر العمل الإبداعي تهدف إلى بث السكينة وتخفيف حدة القلق القادم من الرقمنة، ومن خلف النوافذ والستائر المنبثقة من الفضاء الأزرق.
أعراس الماء صرخة تأتينا بتواتر وهندسة أستطيقية غارقة في البحث الدؤوب لتحصين ما يمكن تحصينه.
ثمة باقة قبلات دافئة تأتينا من مخيلة الشاعرة أم الزين بن شيخة رافعةً شعار إبرة وخيط لترقيع المزيد من بؤس العالم.
“أعراس الماء”
العتبة تأخذنا نحو الراقد بسكينة هنا ببهو الماء الذي يُعد جوهر الحياة.
“أعراس الماء” مدلول سيميائي على أعراس الحياة.. تحت سطوة نظام التفاهة تفوقت الجنازات على مختلف أشكال البهجة.
لنأخذ أحد نصوص الديوان: “جبل من الماء المقدس”
ثمة تماوجات في عنوان النص تقودنا صوب العميق من عمق “أعراس الماء”، ولنقرأ النص معاً:


جبل من الماء المقدس
يركع لسواد الليل في عينيها ..
وحرف صغير بين يديها
جاءت ترسم الفجر باكرا…
وفي البال أغنية
لهدهدة الصقيع . ..
ومدينة بلا أسئلة…
نهار طويل وقيامة بلا آلهة..
وطوابير…
وأصوات الراحلين تركض
في غبار الوقت المكفن بالتراتيل…
جاءت ترسم الفجر باكرا…
وفي قلبها طفلة باكية…
من عمق الربيع..
جاءت ترسم الفجر باكرا…
وكان الماء واقفا على شفة غيمة حزينة..
ووردة ثكلى بين نهرين عاشقين..
جاءت ترسم الفجر باكرا..
تراود العطر على الشذى…
والياسمين يرقص في يد ربة شرقية..
مزقت فساتينها على وجه سفرجل يتيم..
زغاريد واهازيج وشفاه ممنوعة من المستحيل…
وطن يهزم الأفق
ويعود إلى أعراسه القادمة من جهنم..
وتفاحه تقضم ضحكتها الأولى
كي تولد سماء من الحلوى
في ابتسامة طفل صغير….
أم الزين بن شيخة
“جبل من الماء المقدس” عنوان أبستمولوجي يرمز إلى جوهر الكائن البشري، فالماء هو الحياة، والمقدس هو العقل وفقاً “لأيمانويل كانط”، والجبل رمز الشموخ.. هنا ثمة تجلية تقودنا نحو عمق بؤر الكينونة، لنتدارك امتداد الماء في بهو القصيدة التي تدعونا إلى جملة من ولائم جمالية تنبثق من رؤى غادقة في تشريح الملامح التي عليها تؤسس أجواء المشهد الأستطيقي التي بدورها تمنحنا القدرة على استكشاف المُغيّب من المسرح الجمالي.
“جبل من الماء المقدس” رابية تأخذنا في مسارات متباينة تمنحنا شرفات ومن زوايا مختلفة لبلوغ جوهر الحياة عبر فهم المراحل التي مرَّ بها الكائن البشري، والموورثات التي تغلغلت في نسيج شخصيته، منها ما تبدلت ومنها ما ذابت في سياق التطور بشقيه الطبيعي والقسري تحت سطوة الخطاب السائد في كل عصر وفقاً لمصالح الأقوياء.
جبل من الحياة النبيلة تعرّضَ لفرمانات على امتداد التاريخ، وأخذ صبغة دموية مع ظهور الأديان والصراع الوجودي بينها، ومع مرور الزمن وقيام الثورة الصناعية في الغرب وصعود الطبقة الرأسمالية تحول الصراع إلى صراع طبقي في جغرافيات عديدة وخاصة في مطلع القرن العشرين أي مع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية وتبوء الفكر الماركسي سدة الحكم، والذي عرف لاحقاً بالاتحاد السوفياتي، وكانت للحربين العالميتين دور محوري في انحسار مساحات “أعراس الماء” في معظم بقاع العالم.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اندلعت ما سُميَ بالحرب الباردة ما بين القطبين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، والتي هزت جبل الماء المقدس، وخلخلت شجرة الكينونة من جذورها.
وفيما بعد تم تفكيك دول الاتحاد السوفياتي، ونحن لسنا بصدد البحث في أسباب انهيار القطب الاشتراكي، وبات العالم يقوده قطب واحد الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا ظهرت أصوات تخشى من عودة الصراعات ذات البُعد الوجودي، وقد يأتي في مقدمة الأصوات المنبهة لخطورة هذا الصراع: المُفكر الأمريكي “صموئيل هنتغتون” في أطروحته الذائعة الصيت “صدام الحضارات” الذي أكد فيها فظاعة الحرب ذات البعد الثقافي والحضاري، وهذا ما أكدت عليه الوقائع لاحقاً.
نستسيغ من هذا السرد التاريخي الوجيز حجم الويلات التي تعرضت لها “أعراس الماء” وبدوافع متعددة، ولكنها كانت تصب في ذات المصب، فهي نالت الكثير من روح وجسد أعراس الحياة.
ويزخر النص بالصور الشعرية ذات العمق المعرفي والبعد الأخلاقي،
لنأخذ مقطعاً من النص:
“وأصوات الراحلين تركض
في غبار الوقت المكفن بالتراتيل
جاءت ترسم الفجر باكرا
وفي قلبها طفلة باكية
من عمق الربيع”
هنا ثمة فصاحة مغروسة ببعد سيكولوجي ينبثق من رؤى قادمة من علو ضارب في ذاكرتنا العميقة.
” أصوات الراحلين تركض”

طلبة أم الزين بن شيخة المسكيني


تشبيه ببوصلة وارفة: الراحل صامت! فكيف يمكنه إطلاق أصوات راكضة؟! هنا تستعين الشاعرة بذبذبات قد تشكل نسيجاَ صوتياً وتدعمه بحركة تخلق في الفراغ جملة جمالية راسخة في الذهول لدى الآخَر المتلقي.
” في غبار الوقت المكفن بالتراتيل”
الغبار مدلول على ضبابية في الرؤية، والكفن صورة ملاصقة للموت، ربطهما بالترتيل صورة روحية، أي أن الصورة الشعرية مركبة، تبدأ بالغبار وتنتهي بالتراتيل، ومابينهما الوقت الملتحف بالكفن مدلول حازم للموت، وتكمل شاعرتنا أم الزين:
” جاءت ترسم الفجر باكرا
وفي قلبها طفلة باكية
من عمق الربيع”
هنا ثمة تضاد شاهق يكمن في رسم الفجر وبين الوقت المكفن، أي أن الشاعرة ترى بالنهاية بداية البدايات من خلال التأكيد على رسم الفجر باكراً الذي بالأساس هو بداية اليوم، وقد أضافت إليه “باكرا” لتزرع في ذهن القارئ مشهداً من الرقمنة، فالحياة الحديثة قائمة على السرعة، لذا تطَلّبَ إضافة باكراً لاسم الفجر.
لتكمل شاعرتنا “وفي قلبها طفلة باكية من عمق الربيع”
وفي القلب طفلة تبكي في الربيع والذي من المفترض أن تكون مبتهجة فيه: هنا تبينُ لنا الشاعرة سيرورة الكائن البشري عبر هذا المشهد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
هنا غبار وكفن ..
وهنالك فجر وطفلة..
تتراءى في المقطع السابق الفصول الأربعة التي يمر بها الكائن البشري، حيث استطاعت المبدعة أم الزين بن شيخة خلق كثافة في متن ذو عمق وتدي متشعب عبر بوصلة سيميائية غادقة تعكس مساحات التأمل في الزمن الكتابي.
لننتقل إلى مقطع آخر:
“وكان الماء واقفاً على شفة غيمة حزينة..
ووردة ثكلى بين نهرين عاشقين..”
هنا ثمة دعوة شاهقة للمتلقي ليُبحر في تأملٍ متعدد الدلالة، الماء واقف والإطار الحاضن يكتنفه ألم، أي أن الحياة هنا تبحث عن من يستحقها، هنا ترمز الشاعرة إلى انخفاض مساحات عشاق الحياة مع نمو المد المعادي للحياة والمتمثل هنا ببروز الفكر المتطرف وسيطرته على عقول العامة في عديد الجغرافيات هنا في شرقنا المأزوم، لذا الماء يقف على شفة غيمة، وهي بدورها تعيش حالة من الخيبة، فالحزن له منابع عديدة، قد تكون الخيبة هي ما تبوأت ذهنية الشاعرة في الزمن الكتابي.
” ووردة ثكلى بين نهرين عاشقين..”
كيف يغدو الورد بمكان الأم التي فقدت أعز شخص على قلبها، قد يكون وحيدها أو وحيدتها.
متى يمكن للوردة أن تبكي بتلك الحرقة المريرة؟ على الأرجح لن تبلغ هذا المبلغ إلا إذا فقدت آخر معاقل آمالها، فقد تكون فاقدة حتى بصيص أمل يمدها، أي أنها لا ترى بذور الورد من حولها.
” وردة ثكلى” مؤلم أن تبلغ الخيبة هذه الدرجة من الوجع.
وتكمل المشهد الاستثنائي بين نهرين عاشقين، فالماء رمز للحياة، وفي النهر ثمة مواكب من أعراس الحياة تجري في نهرين عاشقين، وكأننا أمام دار للأوبرا بدون أن تستطيع جذب اهتمام سامعها.
الماء واقف
غيمة حزينة
وردة ثكلى
وعشق النهرين ..
وكأنه حتى في قلاع الحياة تفقد أعراس الماء المزيد من روحها، هنا يمكننا تشبيه هذا المشهد بما جرى في أفغانستان بعد عقود من الصراعات والحروب، حيث اختار الشعب حركة طالبان المتطرفة ورفضت مفاهيم العصر التي تمنح الكائن البشري المزيد من الحرية والكرامة، وفي تاريخنا المعاصر عديد من الأمثلة على تقهقر أعراس الماء أمام أعراس القتلى.
لنتتقل إلى مقطع آخر من النص:
” ويعود إلى أعراسه القادمة من جهنم
وتفاحة تقضم ضحكتها الأولى
كي تولد سماء من الحلوى
في ابتسامة طفل صغير”
ثمة تأمل في بياض قادم من الجحيم:
الأعراس هي رمز للبهجة، والماء محور للحياة.. كيف تأتي من الجحيم وهو رمز للسواد؟!
هنا تدعُونا الشاعرة أم الزين إلى تفعيل طاقاتنا البيضاء من خلال فتح فضاءات التأمل لتؤكد لنا بأن في عرين الألم ثمة ابتسامة قد تتاح وفقاً لنظرتنا للعالم.
” تفاحة تقضم ضحكتها الأولى ”
في الموروث الديني التفاحة تسببت في هبوط آدم وحواء إلى الأرض، وفي المنظور العلمي والتاريخي لها عديد السرديات، ربما أشهرها تأثيرها الجم على حرب طروادة ذائعة الصيت وفقاً للسيرة الأسطورية، إذ كانت التفاحة السبب المباشر في تلك الحرب.
تفاحة “تقضم ضحكتها الأولى” أي أن في بداية تناولنا لها تعتري البسمة ملامحنا ولكنها قد تكون بسمة مرفقة بشد عصبي قد يؤدي إلى تباينات متضاربة في سياق معرفي جمالي متعدد الأوجه.
تنهي شاعرتنا أم الزين نصها
” كي تولد سماء من الحلوى
في ابتسامة طفل صغير”
تخبرنا شاعرتنا بأن في ابتسامة طفل ما يكفي ليغدو العالم آمناً موغلاً بالكينونة.
سماء من الحلوى مرآتها ابتسامة طفل صغير، هنا يمكننا أن ندرك أهمية زاوية رؤيتنا للعالم والتي على متنها تبنى سعادتنا، أي أن السعادة تكمن في دواخلنا لنصل إلى الحكمة الفلسفية: “الإنسان هو صانع ظروفه التاريخية”.
“جبل من الماء المقدس”
قد يصل القارئ الحصيف إلى حجم التحولات داخل ذات الكائن البشري، حيث قد تتحول البراءة إلى شراسة، والقوة إلى نقمة، والإدراك إلى ألم عميق.
ديوان “أعراس الماء” في معظم أجوائه يزخر بالنصوص الدافئة والثرية عبر لغة متقنة حداثية، ومن خلال هذا النص الذي تناولناه “جبل من الماء المقدس” نستطيع الولوج إلى مكامن الإبداع في عالم الفيلسوفة والروائية والشاعرة أم الزين بن شيخة التي تمتلك ما يؤهلها لنثر بذور الجمال في مواجهة قبح العالم.
ديوان أعراس الماء عمل إبداعي يمكننا وضعه في مصاف الأعمال المأهولة بروح الحياة والملتحفة بحرير المعرفة المنهمرة من ذاكرتنا العميقة.
أعراس الماء يستحق منا وقفات نقدية على نطاق أوسع في قادم الأيام.


محمد مجيد حسين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى